الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

380

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

والحاكمية على عالم الوجود كافة ، ولهذا السبب : وله الحمد وهو على كل شئ قدير . ولا حاجة للحديث عن تسبيح المخلوقات جميعا لله الواحد الأحد بعد أن تطرقنا إلى ذلك في مواضع عديدة ، وهذا التسبيح ملازم لقدرته على كل شئ وتملكه لكل الأشياء ، ذلك لأن كل أسرار جماله وجلاله مطوية في هذين الأمرين . ثم يشير تعالى إلى أمر الخلقة الملازم لقدرته ، إذ يقول تعالى : هو الذين خلقكم وأعطاكم نعمة الحرية والاختيار فمنكم كافر ومنكم مؤمن . وبناء على هذا فإن الامتحان الإلهي يجد له في هذا الجو مبررا كافيا ومعنى عميقا والله بما تعملون بصير . ثم يوضح مسألة الخلقة أكثر بالإشارة إلى الهدف منها ، إذ يقول في الآية اللاحقة : خلق السماوات والأرض بالحق . فإن هذا الخلق الحق الدقيق ينطوي على غايات عظيمة وحكمة بالغة ، حيث يقول تعالى في الآية ( 27 ) من سورة ص : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا . ثم يتحدث القرآن الكريم عن خلق الإنسان ، ويدعونا بعد آيات الآفاق إلى السير في آفاق الأنفس ، يقول تعالى : وصوركم فأحسن صوركم . لقد صور الإنسان بأحسن الصور وأجملها ، وجعل له من المواهب الباطنية الفكرية والعقلية ما جعل العالم كله ينطوي فيه . وأخيرا تنتهي الأمور إليه تعالى وإليه المصير . نعم ، إن هذا الإنسان الذي هو جزء من عالم الوجود ، ينسجم من ناحية الخلقة والفطرة مع سير هذا العالم أجمع وغاية الوجود ، حيث يبدأ من أدنى المراتب ويرتقي إلى اللامحدود حيث القرب من الحق تبارك وتعالى .